أحمد بن أعثم الكوفي
300
الفتوح
ليكفن الحارث بن الحكم عن بعض كلامه أو ليأتيه مني شيء لا قبل له به والسلام . ثم كتب في أسفل كتابه هذه الأبيات : إن مروان أبت لي رحمة * قطعة الدهر وفي المرء زلل يأكل الخبز وفيه نخوة * واعتراض عن هوى وملل منع المرء أخاه حارثا * بالتي يسحب أذيال الخطل غره حكمي وحلمي شيمة * فارتقى فيما يسوى ونزل أبلغ الحارث عني مالكا * كل شيء ما خلا صخرا جلل فاطلب اليوم جفاي جاهدا * وارحل الناقة فيها والجمل ثم لا تنزع عما سرني * أنني مر وحلو كالعسل إن من سب زيادا مرة * شرب الدهر عليه وأكل عرضه عرضي وشيخي شيخه * ولهذا الدهر في الناس دول قال : فلما نظر مروان إلى كتاب معاوية دعا بأخيه الحارث بن الحكم فقال له : هلكت وأهلكت : إن معاوية قد ادعى زيادا وهذا كتابه إلي فارحل إليه تائبا ومعتذرا ولا تقم ، فوالله ما رجع معاوية حتى كاد أن لا يرجع . قال : فرحل الحارث بن الحكم من المدينة حتى قدم على معاوية ، فلما دخل وسلم رد عليه معاوية السلام ثم أمره بالجلوس ، فجلس فقال : يا أمير المؤمنين ! إنا لو استقبلتنا من أمر زياد الذي استدبرناه منه لاتبعنا هواك فيه ، وزياد أخونا وأخوك - والسلام - . قال : فضحك معاوية ثم قال : أحسنت يا حارث ! ثم أمر له معاوية بجائزة سنية ، فأنشأ يقول : إن من يقطع فينا رحمة * فابن هند اليوم فينا قد وصل غفر الذنب وأعطى عتبه * فكأن ما كان منا لم يقل سن في حي قريش سنة * وضع التاج عليها فاعتدل عبشمي ( 1 ) أموي ملكه * آفة النحل وتسريب العلل وله كف بها في عدله * آفة المال وتقويم الميل لو إلينا منتهى آجالنا * لفديناه وزدنا في الأجل
--> ( 1 ) عبشمي نسبة إلى بني عبد شمس .